الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
589
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عند جمهور علماء الأصول : أي تكرار الانكفاف عن فعل المنهيّ في أوقات عروض فعله ، ولولا إفادته التكرار لما تحقّقت معصية ، وأنّ التكرار الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داع لفعل المنهيّ عنه ، فلذلك كان حقّا على من تحمّل شهادة بحقّ ألّا يكتمه عند عروض إعلانه : بأن يبلغه إلى من ينتفع به ، أو يقضي به ، كلّما ظهر الداعي إلى الاستظهار به ، أو قبل ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه : بغيبة أو طروّ نسيان ، أو عروض موت ، بحسب ما يتوقّع الشاهد أنّه حافظ للحقّ الذي في علمه ، على مقدار طاقته واجتهاده . وإذ قد علمت - آنفا - أنّ اللّه أنبأنا بأنّ مراده إقامة الشهادة على وجهها بقوله : وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ [ البقرة : 282 ] ، وأنّه حرّض الشاهد على الحضور للإشهاد إذا طلب بقوله : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [ البقرة : 282 ] فعلم من ذلك كلّه الاهتمام بإظهار الشهادة إظهارا للحق . ويؤيّد هذا المعنى ويزيده بيانا : قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها » رواه مالك في « الموطّأ » ، ورواه عنه مسلم والأربعة . فهذا وجه تفسير الآية تظاهر فيه الأثر والنظر . ولكن روى في « الصحيح » عن أبي هريرة : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خير أمّتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم - قالها ثانية وشكّ أبو هريرة في الثالثة - ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا » الحديث . وهو مسوق مساق ذمّ من وصفهم بأنّهم يشهدون قبل أن يستشهدوا ، وأنّ ذمّهم من أجل تلك الصفة . وقد اختلف العلماء في محمله ؛ قال عياض : حمله قوم على ظاهره من ذمّ من يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة ، والجمهور على خلافه وأنّ ذلك غير قادح ، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهد كاذبا ، وإلّا فقد جاء في « الصحيح » : « خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها » . وأقول : روى مسلم عن عمران بن حصين : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قالها مرتين أو ثلاثا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون » الحديث . والظاهر أنّ ما رواه أبو هريرة وما رواه عمران بن حصين حديث واحد ، سمعه كلاهما ، واختلفت عبارتهما في حكايته فيكون لفظ عمران بن حصين مبيّنا لفظ أبي هريرة أنّ معنى قوله : قبل أن يستشهدوا دون أن يستشهدوا ، أي دون أن يستشهدهم مشهد ، أي أن يحملوا شهادة أي يشهدون بما لا يعلمون ، وهو الذي عناه المازري بقوله : وحملوا ما في الحديث - أي حديث أبي هريرة - على ما إذا شهد كاذبا . فهذا طريق للجمع بين